صديق الحسيني القنوجي البخاري

243

فتح البيان في مقاصد القرآن

فيكون التحريم مطلقا والمؤقت هو التيه ، وهو في اللغة الحيرة يقال منه تاه يتيه تيها أو توها إذا تحيّر فالمعنى يتحيرون في الأرض ، قيل إن هذه الأرض التي تاهوا فيها كانت صغيرة نحو ستة فراسخ كانوا يمسون حيث أصبحوا ويصبحون حيث أمسوا ، وكانوا سيارة مستمرين على ذلك لا قرار لهم . وقيل ستة فراسخ في اثني عشر فرسخا ، وقيل تسع فراسخ في ثلاثين فرسخا ، وكان القوم ستمائة ألف مقاتل . واختلف أهل العلم هل كان معهم موسى وهارون أم لا ؟ فقيل لم يكونا معهم ، لأن التيه عقوبة ، وقيل كانا معهم لكن سهل اللّه عليهما ذلك كما جعل النار بردا وسلاما على إبراهيم . وقد قيل كيف تقع هذه الجماعة من العقلاء في مثل هذه الأرض اليسيرة في هذه المدة الطويلة ؟ قال أبو علي يكون ذلك بأن يحول اللّه الأرض التي هم عليها إذا ناموا إلى المكان الذي ابتدأوا منه ، وقد يكون بغير ذلك من الأسباب المانعة من الخروج عنها على طريق المعجزة الخارقة للعادة فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ أي لا تحزن عليهم لأنهم أهل مخالفة وخروج عن الطاعة . قال الزجاج : ويجوز أن يكون خطابا لمحمد صلى اللّه عليه وسلم أي لا تحزن على قوم لم يزل شأنهم المعاصي ومخالفة الرسل . وأخرج ابن جرير وابن حاتم عن ابن عباس قال : تاهوا أربعين سنة فهلك موسى وهارون في التيه وكل من جاوز الأربعين سنة فلما مضت الأربعون سنة ناهضهم يوشع بن نون ، وهو الذي قام بالأمر بعد موسى ، وهو الذي افتتحها وهو الذي قيل له اليوم يوم جمعة فهمّوا بافتتاحها ، فدنت الشمس للغروب فخشي إن دخلت ليلة السبت أن يسبتوا فنادى الشمس أني مأمور وأنت مأمورة فوقفت حتى افتتحها ، فوجد فيها من الأموال ما لم ير مثله قط فقربوه إلى النار فلم تأت فقال فيكم الغلول ، فدعا رؤوس الأسباط وهم اثنا عشر رجلا فبايعهم فالتصقت يد رجل منهم بيده فقال : الغلول عندك ، فأخرجه فأخرج رأس بقرة من ذهب لها عينان من ياقوت وأسنان من لؤلؤ فوضعه مع القربان فأتت النار فأكلتها . وعنه قال خلق لهم في التيه ثياب لا تخلق ولا تدرن ، وكان عمر موسى مائة سنة وعشرين سنة ومات بعد هارون بسنة عليهما الصلاة والسلام . وأخرج الشيخان من حديث أبي هريرة مرفوعا قصة ردّ الشمس لنبي من الأنبياء ولم يسم يوشع ، واختلف الناس في حبس الشمس فقيل ردت إلى ورائها ، وقيل وقفت ولم ترد ، وقيل بطء حركتها ، ومات يوشع ودفن في جبل أفرأيتم وله مائة سنة